السيد محمد تقي المدرسي
57
من هدى القرآن
القدرة ، وطوع له ما في الأرض ، وتلك هي شروط عمارة الأرض وبناء المدنيّة ، وليس النظام الفاسد سوى سارق لخيرات الناس ، وهاد لهم إلى الهلكة . ولولا رفض الناس للنظام الفاسد ، وعودتهم إلى الطريق المستقيم فإن المدنية مهددة بالفناء . ( فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) فمن أسماء الله الحسنى ، وكذلك من نعمه الكبرى هي أنه سبحانه وتعالى فتح أمام الناس باب الاستغفار والتوبة ، وأعطى الناس القدرة على تصحيح مسيرتهم الضالة ، وتطهير آثار الماضي الفاسد ، كما أعطاهم الفرصة لفتح صفحة جديدة مع الله ، ومع سنن الله ، ولنا في هذه الآية وقفتان للتدبر : الأولى : إن ما في عالم اليوم من مدنية مزدهرة ، ليست بسبب الأنظمة الجاهلية الحاكمة هنا وهناك ، وليست بسبب النظام المادي ولا حتى بسبب فصل الدين عن السياسة ، أو الانفصال عن الجذور التاريخية ، وإنما السبب وراء المدنية والتقدم هو السعي من أجل عمارة الأرض عبر الالتزام بسنن الله الصالحة ، كالعمل والاجتهاد والتعاون والتطلع ، وما دامت هذه الشعوب ملتزمة بهذه السنن فهي تحافظ على مكاسبها ، وحين تنحرف وتعوض عن السعي بالفخر ، وعن الاجتهاد بالغرور ، وعن التعاون والتطلع بالمفاخرة والاستغلال ، فإنها مهددة بفقدان مكاسبها ، وهذه الحقيقة تدعونا إلى الاعتقاد بأن الأنظمة المادية ، والعادات الجاهلية السائدة على الشعوب المتقدمة سوف تضيع مكاسبها وتفسد مدنيتها ، وإن بداية الضياع هو تجيير جهود الناس ومساعيهم لمصلحة فئة الأغنياء المتسلطين في بعض البلاد ، أو حزب المستكبرين الحاكم في بلاد أخرى . الثانية : إن الحضارات البشرية تبدأ بتطبيق سنن الله في تسخير الحياة كالسعي والتعاون ولكنها تنسى دور هذه السنن في تقدمها ، وتتوجه إلى الأصنام وتزعم أنها هي واهبة التقدم والرفاه ، وهذا الانحراف عادة بشرية تكاد تكون سنن ثابتة لولا حرية البشر التي تتحداها ، ولولا رسالة الله التي تذكر البشر بهذه الحرية ، ومن هنا لا يعترف الإسلام بحتمية الانهيار في الحضارات ، بل يضع لها فرصة الاستمرار عن طريق إصلاح نفسها ، والتوبة إلى سنن الله ، وهذا ما تشير إليه هذه الآية التي تعطي المزيد من الأمل في الاستمرار في نهايتها وتقول : إن الله قريب مجيب ، أي أن إصلاح الفاسد ، وتجديد الحضارات ( بالاستغفار والتوبة ) أيسر مما يزعم البشر . ضلالة الآباء أم هدى الرسالة [ 62 ] وكان قوم صالح غارقين في الماضي يعتزون بأمجادهم الغابرة ، ويقلدون آباءهم ، ولذلك عادوا صالحا بالرغم من ثقتهم بشخصه .